الجلوة العشائرية .. حقائقٌ وقصصٌ من الواقع

والد المقتول ينظر إلى البيوت المهجورة بعد الجلوة العشائرية

فرضت الجلوة العشائرية نفسها مجدداً على الساحة الأردنية، لتسجل في العامين الماضيين أعلى الأرقام بحسب دائرة العشائر في وزارة الداخلية، كما هو مبين في الرسم التوضيحي الآتي، ويؤكد رئيس قسم العشائر صخر المور أن “السنة الماضية سجلت ٢٢ حالة جلوة، في ما سجلت الأربعة أشهر الأولى من هذا العام ١٢ جلوة”.

عدد الجلوات العشائرية في الأردن في الـ ٧ سنوات الأخيرة

وفي زيارةٍ لأحد الأحياء التي هجرها أهلها خوفاً من الثأر، كانت هذه الأحياء صامتةً في أكثر مناطق الزرقاء ازدحاماً، والبيوتٌ خاليةٌ من أصوات الآباء والأمهات، والشوارعٌ توّقف فيها لعب الأطفال منذ أيلول العام الماضي حين تركت عشيرةٌ بأكملها بيوتها في لواء الهاشمية لينتقلوا إلى قرية العالوك على بعد 60 كم عن حياتهم. تكمن المشكلة حالياً في أصوات المُبعدين التي بدأت تعلو مطالبةً بالرجوع إلى الحياة الطبيعية، وعودة الأطفال إلى مدارسهم والموظفين إلى مكاتبهم، ويتهم هؤلاء المبعَدون الأجهزة الأمنية بالصمت اتجاه معاناتهم وغربتهم داخل وطنهم التي طالت مدتها لسبعة أشهر حتى الآن، مخالفةً بذلك كل القوانين والأعراف.

أما والد القتيل عدي فيشرح قضيته والدموع تملأ عينيه شاكياً من الظلم والمعاناة من مقتل ابنه ذي الـ ١٥ ربيعاً من غير أي ذنب، ومعبراً أيضاً عن خيبة أمله من الإعلام الذي نقل قصة الجلوة ونسي الطرف الآخر.

الفيديو التالي يعرض كيف هي الجلوة في عيون من عاشوها من أهل كلٍ من القاتل والقتيل:

لمحة تاريخية للجلوة وخطواتها ومصطلحاتها:

بدأت المجتمعات منذ الأزل وقبل حلول المدنية بتنظيم أمورها لنشر الأمن والاستقرار وحل النزاعات، ونشأت في الأردن تدريجياً مجموعة من الأعراف والممارسات العشائرية التي فرضت نفسها لتصبح قانوناً يلتزم به أفراد العشيرة ويخضعون لأنظمته، وتنطبق هذه الممارسات أيضاً في الدول العشائرية الأخرى مثل سوريا والعراق.

وبعد نشوء الإمارة وفي عام ١٩٢٤ أصبحت هذه القوانين جزءاً من القانون الأردني، ليتم بعد ذلك تعديل بعض موادها في القانون العشائري للعام ١٩٣٦وإلغاء العمل بها في الـ ١٩٧٦. وفي عام ١٩٨٧ اجتمع شيوخ العشائر وبعض أفراد الأجهزة الحكومية والأمنية لبحث موضوع العادات العشائرية المتبعة وبلورتها لتحافظ على المفاهيم الاجتماعية السليمة التي وضعت من أجلها، وللحد من السلبيات التي دخلت عليها ولمواكبة تطورات الحياة، وخرجوا بوثيقة الـ ١٩٨٧ التي كتب عليها المغفور له الملك الحسين بن طلال “جهدٌ مبارك وخطوة إيجابية بعون الله” لتصبح منذ تلك اللحظة هي المرجعية العشائرية القانونية السارية حتى هذه اللحظة.

تضمنت هذه الوثيقة اقتصار الجلوة العشائرية على حالتي القتل العمد والزنا فقط، وتخفيف النفقات في الدية كي لا تتجاوز بأية حال الـ ١٠ آلاف دينار،  وإلغاء دفع المبالغ النقدية في حالات عديدة مثل: فراش العطوة، الدخالة، الجيرة وكفالات الوفا والدفا.

العرض التالي يوضح تعديلاتٍ أخرى تضمنتها الوثيقة بالإضافة إلى خطوات الجلوة ومصطلحاتها العشائرية: اضغط على الصورة لمشاهدة العرض

اختلفت الآراء بالجلوة في الوقت الحالي، ففريقٌ يراها لاتزال ضرورية لحماية أطراف النزاع من التعرض لبعضهم البعض خاصة وأن بعض أحياء العاصمة والمحافظات لاتزال البيوت فيها قريبة جداً من بعضهامما يجعل الاحتكاك اليومي صعبٌ في حالات الجرائم الحساسة كما في حالتي القتل المتعمد والزنا، وقضية الهاشمية مثال حيٌ على هذا، الفيديو التالي يوضح هذا التقارب الكبير في السكن بين الأطراف المتنازعة في لواء الهاشمية:

بينما يعترض البعض الآخر على تطبيق الجلوة في العصر الحديث مثل الشيخ هايل بندر، وهو من شيوخ القضاء العشائري من سكان منطقة المزرعة في بلعما البعيدة عن الهاشمية حوالي 20 كم، ويوضح رأيه قائلاً: “كانت الجلوة الطويلة ممكنة أيام أجدادنا الذين سكنوا بيوت الشعر وكانوا يتنقلون بها من مكان إلى آخر، أما الآن فالوضع أصعب بكثير مع الاستقرار وبيوت الحجر والمدارس والوظائف”، لذا فهو يقترح أن يكون القانون المدني هو الفيصل بين جميع الأطراف مع الاحتكام للقانون والأعراف العشائرية بعد تطويرها لتواكب العصر الذي نعيشه اليوم.

أعداد الجالين بين وسائل الإعلام والحقائق:

تداولت بعض وسائل الإعلام أن عدد الجالين عن بيوتهم في هذه القضية يساوي الـ ١٣٠٠ شخص  وهو نفس العدد الذي يكرره أهل المتهم في لقاءاتهم  واعتصاماتهم، ولكن أهل المجني عليه أكدوا أن الرقم لا يتجاوز الـ٤٢٠  شخصاً وكل ما ذُكر غير ذلك هو مبالغة لكسب الرأي العام، وأن هذه العشيرة تريد الهروب من مسؤولياتها العشائرية عن طريق الاعتصامات وتغييب الحقائق، أما الرقم الرسمي بحسب رئيس قسم القضايا الأمنية والعشائرية في محافظة الزرقاء فيصل السميران هو ٧٦٠ شخصاً تركوا بيوتهم بسبب هذه الجريمة.

يقول الشيخ بندر أن العدد ليس موضوعاً مهماً بل المهم هنا هو تحقيق الهدف من الجلوة  “بنشر الأمن الاجتماعي وتهدئة النفوس “، ويضيف أن هذا الهدف هو الذي لا يجب أن يغيب عن المسؤولين وعن وسائل الإعلام.

This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

2 Responses to الجلوة العشائرية .. حقائقٌ وقصصٌ من الواقع

  1. Lana says:

    لقد تفاجات كثيرا بالزيادة الكبيرة في اعداد الجلوات في عام ٢٠١١، واستطيع ان اجزم بان ٢٠١٢ سيحمل اعدادا اكثرحسب احصاًًياتك. الغريب في هذا التقرير انك تتحدثين عن امور من الطبيعي ان تندثر مع تقدمنا في هذا العالم، ومع ذلك هي في ازدياد. من الواضح اننا كعرب ما زال امامنا وقت طويل لمجاراة العالم من حولنا. برايي، لو كان القانون المدني هو الفاصل في هذه الامور لوضع حد و لعرف القاتل انه سيحاسب و يعاقب، اما ان نخضع لقوانين العشاًرية فلن نتقدم و سنبقي بدوامة العطوات و الجاهات والجلوات تاركين المذنب يسرح. اشكرك علي مقالك الراًع

  2. dima says:

    Dima Alkurdi

    تقرير جيد جداً عزيزتي ، يحكي قصة حزينة عن واقع غريب في القرن الواحد والعشرين ، يبين التقرير انه حتى القانون الاردني يحمي مثل تلك الموروثات الاجتماعية ، أعتقد أنك أبرزت مشكلة هامة جداً في مجتمعنا الاردني الذي نزعم انه من المجتمعات العربية المتحضرة!
    بالتوفيق دائماً

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s